هوية الطيبة في الوعي الجمعي : دراسة سايكولوجية و سوسيولوجية لقصيدة «طيّبون»
02-01-2026
23
هوية الطيبة في الوعي الجمعي :
دراسة سايكولوجية و سوسيولوجية
لقصيدة «طيّبون»
للشاعرة د.وفاء عبدالرزاق - لندن
الناقد د.عبدالكريم الحلو - العراق
المقدمة :
تعد دراسة النصوص الأدبية من منظور سوسيولوجي وسيلة لفهم الوعي الجمعي الاجتماعي، القيم الثقافية، والروابط بين الفرد والمجتمع.
النص الشعري «طيّبون» للشاعرة الدكتورة وفاء عبدالرزاق يقدم نموذجًا غنيًا لتحليل هذه الروابط، إذ يخلق فضاءً تتقاطع فيه العاطفة الفردية مع الديناميات المجتمعية، والرمزية الشخصية مع القيم المشتركة.
النص كمرآة اجتماعية وثقافية يُعد النص شعريًا غنيًا بالصور والرموز، ويطرح رؤية للعالم تتداخل فيها الذات مع المجتمع والطبيعة والروحانية.
من منظور سوسيولوجي، يمكن اعتبار النص فضاءً للتفاعل بين الفرد والجماعة، حيث تظهر العلاقات الإنسانية، التقاليد، القيم المجتمعية، والصراعات الداخلية للذات في سياقها الاجتماعي والثقافي.
النص يبرز التعايش بين الإنسان والطبيعة، ويقدم صورًا رمزية للأماكن، الأشياء، والأشخاص لتصبح مؤشرات على بنية اجتماعية ومعنوية :
١ . المرأة والذات :
في السياق الاجتماعي النص يسلط الضوء على المرأة ككيان مركزي، متجذرة في المجتمع، لكنها تمتلك حرية نفسية وروحية.
الشخصيات النسائية في النص لا تُصوَّر كمجرد عناصر جمالية، بل كـ رموز للتغيير الاجتماعي والوجداني:
المرأة هنا هي محور التوازن بين الفرد والمجتمع، بين الطبيعة والروحانية، وبين النقاء والجنون.
الحضور النسائي يتجاوز حدود البيت أو الأسرة ليصبح عنصرًا تنظيميًا في الجماعة، مؤثرًا في القيم والممارسات الاجتماعية.
٢ . الرمزية والتفاعل الاجتماعي :
النص غني بالرموز التي تحمل دلالات اجتماعية:
النخلة والأنهار:
رموز للحياة، الاستمرارية، والخصوبة المجتمعية، وتشير إلى الترابط بين الأجيال والمجتمع الطبيعي والبشري.
الأطفال والملائكة:
يمثلون الأمل والمستقبل، ويؤكدون على الأبعاد الأخلاقية للفضاء الاجتماعي، بما في ذلك المسؤولية المشتركة تجاه الجيل الجديد.
الجيران، الفقراء، والشهداء:
تظهر فكرة المواطنة الجماعية والتكافل الاجتماعي، حيث تتحرك الشخصية في النص عبر علاقات إنسانية متبادلة، تشكل شبكة اجتماعية حية.
الطيور، والسماء، كلها رموز توحي بأن المجتمع جزء من الكون الروحي.
٣ . الجنون :
كفعل تحرري اجتماعي الجنون في النص ليس مرضًا، بل تجربة وجودية واجتماعية:
يمثل رفضًا للقيود الاجتماعية الصارمة، وتحررًا من الإكراهات المجتمعية.
هو وسيلة للتغيير الاجتماعي من خلال إعادة ترتيب القيم، وتجاوز التقليد، والتواصل مع العاطفة النقية.
النص يوظف الجنون أيضًا كأداة نقدية صامتة تجاه ما هو تقليدي أو جامد في المجتمع.
القراءة السوسيولوجية تشير إلى أن النص يطرح مجتمعًا مثاليًا، أو على الأقل مجتمعًا مطلوبًا، حيث التفاعل بين الأفراد مبني على المحبة، التقدير، والنقاء النفسي.
٤- الأسلوب السردي المكثف، :
الصور الشعرية :،
تخلق فضاءً مجتمعيًا داخليًا، يمكن للقارئ أن يتفاعل معها كما لو كان جزءًا منها الجماعة أو الطقس الاجتماعي.
اللغة :
هنا أداة لخلق مجتمع رمزي: كل فعل، كلمة، ورمز يعكس طبيعة العلاقات الإنسانية، ويعزز الفكرة السوسيولوجية حول تفاعل الفرد مع الجماعة.
النص :
ليس مجرد تجربة وجدانية فردية، بل مشهد سوسيولوجي متكامل يعكس رؤية الشاعرة للعلاقات الاجتماعية، للقيم، وللدور الأخلاقي والروحي للفرد في المجتمع.
تقييم النص : " طيبون ":
-------------------
النص ينجح في تقديم رؤية شاملة عن الإنسان في المجتمع، من خلال رصد التفاصيل الدقيقة للعلاقات الإنسانية، الطبيعة، والروحانية.
وهو عمل شعري وسردي متكامل، غني بالرمزية والصور، ومؤطر بدقة من منظور سوسيولوجي ونفسي.
كالرموز مثل النخلة، الأنهار، الأطفال، الملائكة، الضوء والظل ليست مجرّد زينة، بل أدوات لإيصال معانٍ سوسيولوجية وروحية.
تظهر المرأة في النص كمحور أساسي للتوازن الاجتماعي والوجداني، وهي رمز للحياة، النقاء، والقدرة على إعادة النص يقدّم تجربة المرأة على أنها قوة محورية لتغيير وإعادة تشكيل المجتمع، لا مجرد عنصر ثانوي أو زخرفي.
يعكس النص فهمًا عميقًا للعلاقات الإنسانية، التضامن، والمشاركة المجتمعية، ويطرح مجتمعًا رمزيًا يسوده الحب، النقاء، والروحانية.
البعد الفلسفي :
يظهر في معالجة الوعي، الحرية، والانتماء الفردي للمجتمع والطبيعة، ما يمنح النص قوة تحليلية وسوسيولوجية كبيرة.
أسلوب الشاعرة :
يمزج بين الشعرية المكثفة والنثر السردي، مع الحفاظ على تدفق لغوي موسيقي يربط المشهد النفسي بالمشهد الاجتماعي ، قوته تكمن في الربط بين الذات والمجتمع والطبيعة والروحانية.
تقييم الشاعرة :
---------------
تظهر د. وفاء قدرة كبيرة على الدمج بين الشعرية والوعي النظري، سواء في مقاربتها النفسية أو السوسيولوجية للنصوص.
النصوص التي تكتبها تحمل بعدًا فلسفيًا واجتماعيًا، يعكس فهمها العميق للإنسان والمجتمع، ويجعل من الشعر وسيلة للتحليل النقدي والوجداني في الوقت نفسه.
تتقن الشاعره استخدام الصور الشعرية المكثفة، مع المحافظة على تدفق سردي متماسك.
لغتها تجمع بين الرقة التعبيرية والصرامة التحليلية، ما يتيح للقارئ الانغماس في المعنى، دون أن يفقد تماسك النص.
الشاعرة تمتلك حسًا قويًا بالتفاعل بين النفس البشرية والبيئة الاجتماعية، حيث تظهر الشخصيات والأحداث في النصوص كعناصر تتفاعل مع القيم المجتمعية والتقاليد الثقافية.
هذا يبرز بوضوح في النصوص التي تعالج موضوعات مثل التضامن، المسؤولية، والتفاعل بين الفرد والطبيعة والمجتمع.
كالشاعرة لا تكتفي بالطرح التقليدي، بل تجرؤ على استكشاف التجربة الإنسانية بعمق نفسي وروحي، مع كشف التناقضات المجتمعية والنفسية.
تستخدم الرمزية والإيحاء بطريقة ذكية، ما يمنح نصوصها بعدًا متعدد المستويات: وجداني، اجتماعي، وفلسفي.
تالنصوص التي تقدمها الشاعره صالحة للتحليل السوسيولوجي والفلسفي، وتتيح قراءة متكاملة بين الأدب والنظرية.
الشاعرة تظهر كقارئة واعية للواقع، وكاتبة تعرف كيف تحول تجربة شخصية أو وجدانية إلى خطاب شعري يحمل دلالات اجتماعية وفكرية.
وفاء عبدالرزاق تمثل نموذجًا للشاعرة المعاصرة الواعية، التي تدمج بين الجمال الشعري والبعد النقدي والاجتماعي، مع قدرة على إنتاج نصوص صالحة للقراءة الأدبية والتحليل الأكاديمي على حد سواء.
نصوصها ثورية في العمق، راقية في الأسلوب، متعددة الأبعاد في المعنى. هي شاعرة ومفكرة في آن واحد، تقدم تجربة قراءة تجمع بين الذائقة الشعرية والفكر التحليلي والاجتماعي.
الخاتمة :
--------
إن تجربة الاديبة د. وفاء عبد الرزاق تمثل نموذجًا فريدًا للتقاطع بين الشعر، السوسيولوجيا، وعلم النفس، إذ تتجاوز النصوص التقليدية لتصبح مختبرًا عمليًا لتطبيق النظريات المعاصرة حول الذات والمجتمع.
من منظور التفاعل الرمزي لجورج هربرت ميد وهاربر بلومنثال، يظهر النص كيف تبني الشخصيات معانيها من خلال الرموز والفضاءات الاجتماعية، بينما تؤكد تجربة وفاء أن الرمز الشعري ليس مجرد إشارة، بل فعل تفاعل نفسي واجتماعي متكامل.
وعلى صعيد البنائية الاجتماعية (بيرغر ولوكمان)، تتجلى قدرة النص على إعادة بناء الواقع الاجتماعي عبر تصور رمزي للأحداث والعلاقات، بحيث يصبح الشعر وسيلة لتشكيل الوعي الجمعي وإعادة النظر في القيم السائدة.
كما أن النصوص تنسجم مع مفاهيم النقد الاجتماعي لمدرسة فرانكفورت، إذ تستخدم الرمزية والخيال كأدوات نقدية ضد الجمود الاجتماعي، وتطرح نموذجًا للمجتمع المثالي القائم على التضامن والنقاء الأخلاقي والروحي.
من الناحية السيكولوجية، تُظهر نصوص وفاء فهماً عميقاً للوعي الذاتي واللاوعي، ولآليات التكيف النفسي في مواجهة الصراعات الفردية والاجتماعية، ما يجعلها أكثر قدرة من معظم التجارب الأدبية المعاصرة على دمج البعد النفسي بالبعد الاجتماعي والوجودي.
الشاعرة لا تكتفي بتقديم تجربة وجدانية، بل تعيد تشكيل الفرد والمجتمع في آن واحد، محققًة بذلك توازنًا نادرًا بين الحرية الفردية والالتزام الاجتماعي.
إن هذا الجمع بين الرمزية العميقة، البنية السوسيولوجية المتماسكة، والبعد النفسي الدقيق يجعل تجربة د. وفاء عبد الرزاق تفوق الكثير من التجارب الشعرية المعاصرة في قدرتها على الربط بين النص الأدبي والنظرية الاجتماعية والنفسية، مع الحفاظ على الصياغة الفنية والجمالية.
فالشاعرة هنا ليست مجرد ناقلة للتجربة الإنسانية، بل مبتكرة للوعي الجمعي، وموجهة للذات نحو فهم أعمق لذاتها ومجتمعها.
وهكذا ينسحب النصّ بهدوء، لا كمن يُغلق بابًا، بل كمن يترك نافذةً مواربة للضوء.
يبقى أثره في الداخل، خفيفًا وعميقًا معًا، كعطرٍ يعرف طريقه إلى الذاكرة دون استئذان.
نودّعه كما نودّع الجمال الحقيقي بصمتٍ ممتنّ، وبإحساسٍ أنّ شيئًا فينا صار أصفى بعده.
د. عبد الكريم الحلو
كاتب وناقد ادبي عراقي

