المنظمة العالمية للإبداع من أجل السَّلام/ لندن

الدولة الوطنية: أفقًا عربيًا

12-01-2026


الدولة الوطنية: أفقًا عربيًا

 

بقلم: عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكر

 

سمو الأمير الحسن بن طلال والسفير الدكتور الصادق الفقيه مع دكتور شعبان

 

       عنوان هذه المقالة مستمدٌّ من جلسات عصف فكري أكاديمي التأمت في عمّان برعاية سموّ الأمير الحسن بن طلال ومشاركته، بالتعاون بين "منتدى الفكر العربي" و"مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية"، شاركت فيها نخبة متميزة من الباحثين والأكاديميين والمفكرين من عدد من البلدان العربية.

       وكان الحوار يرتكز على جوهر فكرة الدولة ومفهومها، ولماذا الدولة الوطنية؟ ومتى نشأت؟ وهل ثمة نموذج واحد للدولة؟ وماذا عن الدولة العربية وخصوصيتها؟ وهي أسئلة واجهت الدولة الحديثة منذ قيامها في أوروبا، وكانت الأجوبة عليها مختلفة باختلاف الخلفيات الفكرية والمرجعيات الثقافية.

       وفي منطقتنا العربية تباينت الاجتهادات والإجابات عليها باختلاف التيارات، فالقوميون شكّكوا بالدولة الوطنية، واعتبروا الحدود بين الدول الوطنية العربية، إنما هي حدود مصطنعة ووهمية ينبغي إزالتها لتحقيق مشروع الوحدة القومية.

       أمّا الشيوعيون، فقد كان موقفهم من الدولة يقوم على اعتبارها أداة قمع حسب كارل ماركس، وإنْ لم يضع الأخير نظريةً متكاملةً حول الدولة، لكنها جاءت من خلال دراساته المتوزعة على أكثر من موضوع. وفي نهاية المطاف ستذبل الدولة وتنتهي ضرورتها بعد تحقيق الاشتراكية وإلغاء الاستغلال، وهكذا كان الترويج لشعار "ليس للعمّال من وطن".

 ويدعو الإسلاميون إلى "الجامعة الإسلامية"، التي لا تعترف بالحدود إلّا طبقًا لقواعد المرجعية الإسلامية، وهذه تنقسم حسب الطائفتين الكبيرتين، السنيّة والشيعيّة، بين "دولة الخلافة"، التي هي امتداد للدولة الإسلامية الأولى والخلافة الراشدية، وصولًا إلى الإمبراطورية العثمانية؛ و"الحكومة الإسلامية" وفقًا لمبدأ "ولاية الفقيه"، حسب مسوّغات التجربة الإيرانية وكتاب السيّد الخميني "الحكومة الإسلامية".

       النماذج الثلاثة هي نماذج خلاصيّة لا تعترف بالدولة القائمة وتنحو باتّجاه الهويّة الأكبر (القومية، الأممية والإسلامية)، وتلك هي السرديات التي قامت عليها فكرة الدولة الوطنية في مجتمعاتنا.

       وإذا كان لكلّ دولة فلسفة، فلكل دولة تاريخ أيضًا، والفلسفة هي أم العلوم، أما التاريخ فهو أبوه، وأحيانًا تتّحد الفلسفة بالتاريخ، وسواء كان ثمة فصل أم وصل، أو قطيعة أم استمرار، فإن ذلك جزء من الإشكاليات التي تواجه الدولة المعاصرة وتثير أسئلة تواجه دولنا الوطنية بمعناها الفلسفي والتاريخي، فثمة فوارق بين وجهة النظر الواقعية السياسية من جهة والأيديولوجية النظرية من جهة أخرى. وإذا كانت الأمم سابقة على الدول، فإن السلطة سابقة على الدولة، واليوم فإن الدولة – الأمة هي التي تعبّر عن هذه العلاقة، الأمر الذي يحتاج إلى تأصيل معرفي عن نشوء الدول الحديثة، وخصوصًا إشكالية الأمة والدولة في مجتمعاتنا.

       لقد نشأت الدولة الوطنية في أوروبا في ظلّ الثورة الصناعية، وخصوصًا بعد معاهدة ويستفاليا، التي تمّ إبرامها في العام 1648، أي بعد حرب الثلاثين عامًا، التي اندلعت بين الكاثوليك والبروتستانت، وقبلها حرب اﻟ 100 عام، والتي راح ضحيّتها الملايين من البشر، واتّسمت بصعود الطبقة البرجوازية والاعتراف بسيادة الدول.

       أستطيع القول إنه لا توجد نظرية جامعة مانعة حول الدولة يمكن الركون إليها في الفقه القانوني الدستوري، لا في الماضي ولا في الحاضر، وتبقى الدولة مشروعًا غير مكتمل أو منجز، أي تمامي ونهائي، بل إنها في حالة صيرورة ارتباطًا مع عناصرها المتغيرة من الشعب والحكومة والسيادة، وهذه تتطوّر وتتفاعل مع درجة تطوّر كل مجتمع اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، وبقدر ما تكون ثمة قواعد مشتركة وعامة قانونية وقيمية، فثمة خصوصيات تتفرّع وتتفارق مع العديد من خصوصيات المجتمعات الأخرى.

       ولعلّ مفهوم الدولة في القرن السابع عشر والثامن عشر وقبل قيام الثورة الفرنسية (1789) هو غيره في القرن التاسع عشر، كما أنه يختلف عن مفهوم القرن الحادي والعشرين، والأمر يشمل التيارات الفكرية المختلفة.

       أما عربيًا فالدولة الوطنية المعاصرة والتي نشأت منذ قرن ونيّف، حيث بدأت لبناتها الأولى بعد تفكّك الدولة العثمانية فإنها بوضعها الحالي تتعرّض إلى التفتّت والتشظّي والانكسار بعد التقسيمات الجيوسياسية لمعاهدة سايكس - بيكو (1916)، حيث يتجسّد ذلك بصفقة القرن، الذي هو إعادة رسم خريطة جيوبوليتكية جديدة للمنطقة بتقسيم المقسّم. وإذا كان السعي لتوحيد البلاد العربية طموحًا مشروعًا في مواجهة حالة التجزئة، فإن الحفاظ اليوم على الدولة القطرية يُصبح واجبًا مع كل ما عليها من إشكالات والتباسات تتعلّق بهويّة الدولة وبنيتها وتنوّع إثنياتها وأديانها ومجموعاتها الثقافية.

       لقد أحدثت الحقبة الاستعمارية نموًا مشوهًا للدولة الوطنية بحكم الأقلوية وعدم مراعاة الرضا الشعبي وضيق حريّة التعبير عن الهويّات الخاصة الفرعية في الكثير من الأحيان، الأمر الذي أحدث توتّرًا وصراعًا بين الدولة الوطنية وهويّتها العامة من جهة، وبين الهويّات الفرعية الدينية والإثنية والسلالية واللغوية من جهة أخرى، وهو أمر احتاج إلى وقفة مراجعة وتصحيح وربما إعادة صياغة مشروع الدولة، ولاسيّما الموقف من الهويّات الفرعية، خصوصًا بعد الحراك الكوني، الذي اتّخذ أشكالًا مختلفة بعد انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية (أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات)، واختلط فيه ما هو مشروع ومبرّر من حقوق كحق تقرير المصير مع ما هو إضعاف للدولة الوطنية وتفكيك هويّتها وإدخالها في دوامة صراع بلا حدود، خصوصًا مع تداخلات القوى الخارجية الإقليمية والدولية.

       وحتى في الغرب فمفهوم الدولة التي كانت تقوم شرعيتها السياسية على ركنين أساسيين هما رضا الناس وتحقيق المنجز، كما تقوم مشروعيتها على حكم القانون والمشروعية القانونية، تعرّض في السنوات الأخيرة إلى اختلالات بنيوية، بفعل هيمنة التيارات الشعبوية على مقاليد الحكم، وانتقل من الليبرالية المرنة والمنفتحة المؤمنة بالتعددية إلى الليبرالية المتشدّدة والمنغلقة والتي تريد فرض نموذجها على الآخر بزعم مواجهة موجة التعصّب الديني الإسلامي، وبدلًا من التعاطي مع المزيد من التطوّر وقبول الآخر، تعاظمت نزعات الإسلاموفوبيا (الرهاب من الإسلام) والزينوفوبيا (الرهاب من الأجانب).

       يمكنني القول إن الدولة هي أعظم منجز بشري، وأجد نفسي في ذلك أقف على ذات الأرضية مع المفكّر المغربي عبد الإله بلقزيز، كما أن مهمتها الأولى تقوم على ضبط النظام والأمن العام وحماية أرواح وممتلكات الناس، وبهذا المعنى فهي جهاز لتنظيم وإدارة حياتهم وحلّ خلافاتهم، وبغضّ النظر عن توجّهات الدولة المعاصرة وتوسّع وظائفها الاجتماعية وخلفياتها الفكرية، فإن من وظائفها الأساسية احتكار العنف وفرض قانون الدولة وسيادتها الداخلية والخارجية على كامل أراضيها وحدودها بوجود سلطة واحدة.

 لقد أخذت الفكرة القانونية "القانون الوضعي" تحلّ محلّ "نظرية الحق الإلهي"، وهو ما سبق لتوماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو أن نظرّوا لها، وهو ما لا يتّسع المجال لذكره، لكن التعاقد "العقد الاجتماعي" والعقلانية وحكم القانون هي المشتركات بينهم جميعًا، وهو الأساس في الدولة العصرية.

 

  • نشرت في جريدة المستقل (لندن / بغداد) في 11 كانون الثاني / يناير 2026.